❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
كتب: حسن علي طه
في الضاحية الجنوبية، لا تحتاج إلى جامعة كي تتعلّم؛
يكفي أن تتجوّل.
ففي شوارعها، الثقافة بالمجّان، والمعرفة معلّقة على الجدران،
وأنت تمشي في شوارعها وأزقّتها، تطالعك محلاتٌ بأسماءٍ لا تقف عند حدود التجارة، بل تفتح للمخيّلة ممرّاتٍ نحو عمق التاريخ، وأقصى الجغرافيا وأدناها.
اسمٌ يجرّك إلى عصر، وآخر يقذفك إلى قارة، وثالث يعيدك إلى طفولةٍ أو كتابٍ أو حكايةٍ سمعتها يومًا ولم تكملها.
بين اسم محلٍّ وآخر، تنتعش الذاكرة وتزدحم.
مشهدٌ يولد مع القراءة، ثم لا يلبث أن يزول سريعًا، بحسب طريقة تنقّلك:
إن كنت في السيارة، خاطفًا كلمح البصر،
وإن كنت تمشي على قدميك، متأمّلًا، متريّثًا، كأنك تقرأ المدينة سطرًا سطرًا.
وهكذا، ما دمت في حالة تنقّل وتجوال،
تتنقّل معك الأسماء بين شخصياتٍ تاريخية، أدبية، دينية، علمية، وأحيانًا فانتازية لا أصل لها إلا الخيال الشعبي.
هنا شكسبير بنشرجي دواليب، ونيوتن محل خضروات، ونوبل ما عاد مخترع الدينامت، بل صار للعصير عنوانًا.
ولا غرابة أن يكون المتنبي مطعم فلافل، وله فرعٌ آخر متخصّص بالهمبرغر.
هيمالايا تبيع الخضار،
ولا تكاد تجد اسم نبيٍّ أو إمامٍ إلا وله مولّد اشتراك كهرباء.
أكمل النظر، واترك عقلك يزهر:
فرانكشتاين يفتح ميني ماركت،
وإليزابيت تبيع الإشاربات ولوازم المحجبات،
كريزي حاضر، ونويل أيضًا،
وفيكتوريا كافتيريا تنتظر زبائنها بصبر ملكيّ.
مختصر الكلام،
لن تجد مكانًا في لبنان تزدحم فيه الأسماء كما في الضاحية.
يكفي أن تُدقّق النظر لتقرأ لافتاتٍ بكلّ اللغات،
فلا العربية بداية الحكاية، ولا الآرامية نهايتها.
هي موسوعة مفتوحة في الهواء الطلق.
ولو قُدّر لك أن تكتب بضعة أسطر عن كل اسم محل في شارعٍ تجاريٍّ واحد،
لخرجت بمؤلَّفٍ ذي أبعاد ثقافية، تاريخية، واجتماعية متشابكة.
وفي الضاحية، لا تُختصر الحكاية بالأسماء فقط.
سترى سافرةً (دون حجاب) تتأبّط ذراع امرأةٍ تلفّ عباءتها عليها، وتسيران جنبًا إلى جنب في رحلة تسوّق وتشوق.
في الضاحية، ستدخل مطعمًا ساعة إفطار رمضاني،
فتجد على الطاولة ألوان وطيف وطنٍ كامل؛
من يدعو باسم الله، ومن يصلب، قبل أن يبدأ الطعام.
في الضاحية، لن تميّز بين نداء عليّ أو إيلي؛
والاجمل أن المناداة للجميع واحدة: «حاج».
وحتى بيدو صاحب الاسم الأشهر في عالم الباسترما الأرمنية،
لن تضيع عنوانه؛
هو هناك، عند تقاطع مجمّع سيّد الشهداء (ع) ومجمّع القائم (ع)،
على الطريق نفسه المؤدّي إلى ميدان شهداء المقاومة، تحت جسر حرقوص.
هنا الضاحية…
التي كانت يومًا ناحيةً على هامش المدينة،
فصارت مدينةً على هامش الوطن.
اسمٌ يُشتَم في نشرات الأخبار،
ويُختصر في صورةٍ واحدة،
ويُدان قبل أن يُفهم.
هنا، حيث تُقرأ الثقافة على لافتة محل،
ولا تُرى في تقارير.
وحيث يُحفظ التاريخ في اسمٍ معلّق فوق بابٍ معدني،
لا في مناهج رسمية.
الضاحية التي تعلّم أبناءها أن يعيشوا بلا اعتراف،
وأن يصنعوا المعنى من الفتات،
وأن يكتبوا أسماء العالم كلّه
على أبواب ضيّقة،
لأن الأوطان الواسعة أُغلقت في وجوههم.
هنا الضاحية…
ليست كما يكرهونها فقط،
بل كما فشلوا في فهمها واحتمالها.